الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

204

أنوار الفقاهة ( كتاب الحدود والتعزيرات )

1 - وهو العمدة في ما اختاره ان حقيقة القذف هو الرمي بغير جهة مبررة واما إذا كان الرامي عادلا يريد به رفع المنكر لا يصدق عليه هذا العنوان ، وبعبارة أخرى القذف هو الرمي من دون نية حسنة فهو شيء والاخبار عن الواقع بنية الاصلاح شيء آخر . وفيه ان القاضي مأمور بالظاهر ولا علم له بالنيات فلو كان شاهد صادقا في دعواه بنظر شخصه وناويا للإصلاح بنفسه لا ربط له بالقاضي ، فإنه يرى نسبة الزنا إلى واحد من المسلمين مع احتماله الكذب في هذه النسبة ، فان مجرد العدالة الظاهرية بل الواقعية لا تمنع عن الكذب لعدم العصمة . هذا مضافا إلى أن حكم اللعان الوارد في صريح القرآن دليل على عدم الاعتبار بالنية في هذا المقام ، بل المدار على الاخبار بوقوع الزنا بأىّ نيّة كانت ، فان الزوج غالبا لا يرمى زوجته بنية الافساد ، فإذا اخبر باني رأيت رجلا أجنبيا مع زوجتي ويريد نجاة نفسه وأسرته من هذا الفساد ، يكون صادقا غالبا في دعواه ، وأىّ رجل يرضى بذكر هذا الكتاب في حق زوجته مع أن القرآن يشهد بوجوب اللعان عليه وانّه يحد حد القاذف . وإذا شاهدنا شأن نزول هذه الآيات نرى ان الأصحاب النّبيّ لمّا سمعوا حكم القذف فهموا منها ان الرجل إذا شاهد مثل هذا بالنسبة إلى زوجته لا يقدر على الاشتكاء ما لم يأت بأربعة شهداء والا يحد حد القذف . فراجع مجمع البيان وساير التفاسير تجدها شاهدة على ما ذكرنا . 2 - قوله تعالى : « ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ » « 1 » شامل للشهود هنا . وفي الاستدلال بها اشكال ظاهر فان كونه محسنا غير معلوم للقاضي ، وكونه كذلك عند نفسه لا ربط له بمسألة القضاء ، هذا مضافا إلى أن الاستدلال بهذا العموم بعد نهى الشارع بالخصوص في المقام ممنوع ، والحاصل انه ممنوع صغرى

--> ( 1 ) - البقرة : 91 .